السيد كمال الحيدري
185
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
إنّ دوران قانون السببيّة العامّ في الظواهر وعملها من خلال نواميس وسنن ، لا يعنى أنّ الأمر قد خرج عن إرادة الله ومشيئته وقدرته وأنّ هذه القوانين والسنن تعمل بنفسها وعلى نحو مستقلّ من دون استعانة بالله أو بغير إذنه ومشيئته . كلّا ، ففي الوقت الذي لا نقبل النظرية الأشعرية التي ترفض أنّ هذا العالم هو عالم الأسباب والمسبّبات ؛ ما يلزمها الإيمان بالإرادة الجزافية لله تعالى استناداً إلى ظاهر قوله سبحانه : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ « 1 » ، فنحن نرفض أيضاً ما تذهب إليه النظرية الاعتزالية ، هذه النظرية التي تقرّ بأن القوانين والسنن والنواميس مخلوقة لله ، محتاجة إليه حدوثاً ، لكنّها مستقلّة عنه بقاءً واستدامة . لقد اجتمعت البداهة والوجدان بمعطيات المبحث العقلي والنقلي ، فأفادتنا بأجمعها أنّ العالم من حولنا يستند إلى نظام السببية وأنّ اختيار الإنسان هو جزء من هذا النظام ومن جملة الأسباب ، لكن لا على نحو ما مال إليه المعتزلة من التفويض المطلق وأنّ هذه الأسباب والمسبّبات محتاجة إلى الله حدوثاً مستغنية عنه بقاءً ودواماً ، بل هذه وكلّ شئ محتاج إليه حدوثاً وبقاءً ، في كلّ آنٍ آن ، ولو انقطع فيضه عنها لحظة لذوت وتلاشت وتحوّلت إلى الفناء والعدم ، لأنّها وجميع الوجودات الممكنة ليست مفتقرة محتاجة وحسب ، بل هي عين الفقر والحاجة يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ « 2 » . 5 القضاء والقدر في تيّارات الفكر الاجتماعي يدخل الفكر الصحيح في صياغة الواقع الصحيح ، كما يُنبئ الواقع المريض عن فكر سقيم أو فهم خاطئ لفكرة سليمة . هذه الحقيقة تنطبق على مقولة
--> ( 1 ) الأنبياء : 23 . ( 2 ) فاطر : 15 .